السيد محمد الصدر
344
تاريخ الغيبة الصغرى
وأخرج ابن ماجة « 1 » : تكون فتن ، على أبوابها دعاة إلى النار . فأن تموت وأنت عاض على جذع شجرة خير لك من أن تتبع واحدا منهم . وشعف الجبال رءوسها ، وجذع الشجرة أصلها . والمراد من العض عليه زيادة ملازمته والالتصاق به . . وفيه دلالة على الخروج إلى الأرياف والأطراف . . يسكن الفرد البساتين ويجاور الأشجار أو قمم الجبال ، لينجو من مجاورة الفتن واتباع دعاة الباطل . وهذه الروايات ، وأن كانت بسعة مدلولها ، مخالفة للقواعد العامة التي عرفناها ، إلا أنه بالإمكان تقييدها كما عملنا في سابقاتها ، فتبقى خاصة بصورة وجوب العزلة والسلبية شرعا . . وأما مع حرمتها ، يكون الواجب هو العمل الإسلامي الاجتماعي المنتج . وفي هذا القسم من الأخبار ما يؤبد هذا التقييد ، حيث نجدها تحث على الجهاد إلى جنب النصح بالفرار من الفتن . بل تخص وجوب الفرار بالعاجز عن الجهاد ، ويكون للجهاد الرتبة المقدمة على غيره ، كما هو الصحيح في قواعد الإسلام العامة . أخرج ابن ماجة « 2 » : إن النبي ( ص ) قال : خير معايش الناس لهم ، رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه ، ويطير على متنه ، كلما سمع هيعة أو قزعه طار عليه إليها ، يبتغي الموت أو القتل ، مظانه . ورجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعاف ، أو بطن واد من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه ، حتى يأتيه اليقين . ليس من الناس إلا في خير . وأخرج أيضا « 3 » عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا أتى النبي ( ص ) فقال : أي الناس أفضل ؟ قال : رجل مجاهد في سبيل اللّه بنفسه وماله . قال : ثم من ؟ قال : ثم امرأ في شعب من يعبد اللّه عز وجل ، ويدع الناس من شره . وللترمذي « 4 » حديث آخر بهذا المضمون .
--> ( 1 ) ج 2 ، ص 1318 ، وأنظر نحوه في صحيح مسلم ، ج 6 ، ص 20 . ( 2 ) ج 2 ، ص 1316 . ( 3 ) ج 2 ، ص 1317 . ( 4 ) ج 3 ، ص 320 .